
في قلب الجزيرة، حيث تتعانق الأرض مع ذاكرة الروح، تنتصب طابت المحمود شامخة كأنها صفحة ناصعة من تاريخ السودان الديني والثقافي. ليست مدينة تُعرَف بحدودها الجغرافية فحسب، بل بما أنجبت من معارف وبما أهدت للناس من هداية وفكر وأدب. فمن بين أزقتها خرجت المؤلفات التي نهلت منها العقول، والدواوين التي سافرت أبياتها مع الركبان إلى آفاق بعيدة، تحمل عبق الأصالة وصدق الانتماء. وقد امتد أثرها إلى ما وراء الحدود، فغدت منارة يقصدها الطالب والباحث والمحب، يشهد لها تاريخها الناطق وعطاؤها المتجدد. أما الذين يحاولون حجب ضوء الشمس بغربال الإنكار، فما ضروا إلا أنفسهم، لأن الحقائق الراسخة لا تمحوها الأهواء، ولا تنال منها الألسنة العابثة.. ولهذا لا يضرها نبح الكلاب.
ومن تلك الشجرة المباركة تتابعت الأغصان جيلاً بعد جيل، تحمل الثمر ذاته وإن اختلفت الفصول. فقد ورث الأبناء والأحفاد ميراثاً من العلم والدعوة والتربية، فمضوا على خطى الأجداد في ميادين الفقه والسيرة والحديث، يحفظون الأمانة ويجددون العطاء. وظلت كتب الأستاذ الشيخ عبد المحمود، ومن بعده خلفاؤه الكرام حتى الخليفة الحالي الشيخ محمد سرور، تجد القبول في القلوب والعقول داخل السودان وخارجه، لما حوته من علم رصين ومنهج معتدل ورؤية مستنيرة. ويعرف هذه الحقيقة كل من أنصف وتجرد من الهوى، أما من غطى الران قلبه فلن يبصر ولو أشرقت الحقائق أمام عينيه. والعطاء الذي تضرب جذوره في الأرض لا تزعزعه الرياح العارضة ..ولهذا لا يضرهم نبح الكلاب.
وإذا ذُكر العلماء الذين زيّنوا سماء السودان بمعارفهم، برز اسم مولانا الشيخ عبد الجبار المبارك علماً يلوح من بعيد، لا تحجبه المسافات ولا تطويه السنون. فقد جمع بين الفقه والسيرة وغيرها من العلوم، فصار مرجعاً للطلاب ومقصداً للباحثين، وترك من الآثار ما جعله حاضراً في مجالس العلم وميادين المعرفة. ولم يكن حضوره محصوراً في حلقات الدرس وحدها، بل شهدت له المنابر المرئية والمسموعة بما امتلكه من رصانة علمية وحكمة في الطرح وقوة في البيان، حتى غدا من الأسماء التي تحظى بالتقدير والاحترام في السودان وخارجه. ومن علت مكانته بالعلم والعمل لا تنال منه الأصوات النشاز، لأن الجبال لا تهتز من وقع الحصى..ولهذا لا يضره نبح الكلاب.



